فكرة (الشاهد)

في زمن تعددت فيه وسائل نقل الخبر ، وتوزعت بين إعلام رسمي و مواطن صحفي، وسُخّرت  كل مؤسسة إعلامية رسمية لتبني سياسة موجهة تملي عليها انتقاء أخبار وإغفال أخرى  واجتزاء ثالثة وتشويه رابعة، بات من العسير معرفة حقيقة الحدث كما حدث على الأرض دون تحيزات أو تشويه. كما إنّ كثرة وسائط التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل من يحضر الحدث أن ينقل ما حدث محمّلا بآرائه في الغالب، وسهولة وتأتّي هذه الوسائل أدّى إلى التعجل في نقل الأخبار دون توثيق أحيانًا، ونقل أخبار مغلوطة في أحيان أخرى، ما يؤدّي إلى انتشار شائعات وسيادة خطاب غوغائي.  وفي ظلّ هذا، بات من الملح العودة إلى طريقة نقل الخبر  عن طريقة رواية الشهود الآحاد.

والشهود الآحاد هم الأفراد الذي شهدوا الحدث وعاينوه، ويشترط في قبول رواية الشاهد أن يكون ثقة صادقًا، وتُقاس الثقة بشهادة اثنين ممّن يعرفونه ممّن سبق التوثق من من شهاداتهم، ويُقاس الصدق بتتبع أقواله السابقة واللاحقة للتثبت من تحريه الصدق فيها، فإن بان كذبه رُدّت روايته.

ومنذ الخامس والعشرين من يناير 2011، تشهد ميادين مصر تظاهرات دامية، حضرها الألوف، ونقل منها الإعلام الرسمي ما شاء وكيف شاء، وكتب المغردون والفيسبوكيون ما شاؤوا وكيف شاؤوا كذلك، ومن هؤلاء من كتب نوتة على الفيس بوك أو تدوينة يروي فيها شهادته، ومنهم من كتبها بعقله ومنهم من كتبها بعاطفته واستصحب حالة التوتر النفسي العنيف التي تصاحب حضور القتل والموت والإصابة، والتي تصاحب رؤية القاتل والمقتول عيانًا والتي هي أدمغ دليل على الجريمة إذا أريدت العدالة. هذه الشهادات الآن، على الرغم من وجودها على صفحات أصحابها، وعلى الرغم من انتشارها الكثيف على مواقع التواصل الاجتماعي حين نشرها، إلاّ أنّها تتوارى في خجل إلى هامش تاريخ الحدث فور انتهائه، وتختفي من خانة المصادر الأصلية التي يبحث عنها المؤرخ معطية الفرصة لسيادة رواية المهيمن عند كتابة تاريخ الحدث.

تقوم فكرة (الشاهد) على جمع روايات الشهود التي كتبوها على صفحاتهم الخاصة، بعد التأكد من أعلى درجة ممكنة من الصدق والوصف، وتستحث كذلك من شهد ولم يكتب، أن يكتب شهادته، وتهيب بجميع الشهود التعاون في عملية الجمع والتوثيق.  وعند قراءة هذه الشهادات بالتوازي، سيكون من الممكن مقارنة النتيجة بروايات الإعلام الرسمي والكشف عن مواطن التشويه المتعمد وغير المتعمد فيها.

وعلى الرغم من حالة التوتر الشديد الذي يصاحب تجربة شهود الاشتباكات الدامية في الميادين، فإنّ على صاحب الشهادة تحري نقل الرواية بأدق وصف ممكن. فعليه أن يذكر المدى الزمني والمكاني لروايته بالأسماء والأوصاف، وكذلك وصف الأشخاص دون تصنيف بناء على تخمين، فعلى سبيل المثال، إذا رأى رجلاً يرتدي الزي العسكري يطلق النار على متظاهر، فيمكنه أن يقول “أطلق عسكري النار على مدني” أمّا إذا كان من يطلق النار مدني، فعليه أن يذكر ذلك بالوصف دون ترجيح لتصنيف القاتل، فمن المحتمل أن يكون من الأهالي أو البلطجية أو الشرطة بزي مدني. كما يجب أن يحرص الراوي على ضرورة ذكر الرقم الحقيقي للقتلى أو المصابين، فإن لم يستطع، فليقرب فيقول مثلا: أقل من عشرة، عشرات، … وهكذا. وليس من المستحب استخدام كلمات عاطفية مثل: هستيرية، جنونية وما شابه.

وأخيرًا فإن (الشاهد) مبادرة لحفظ شهادة الشهود الثقات باعتبارها أدلة أولية للقاضي إذا أريدت العدالة في مصر، وكذلك باعتبارها مصادر أصلية للمؤرخ ليكتب التاريخ بناء على الرواية الموازية الأقرب إلى الحقيقة وليس الرسمية.

والله الموفق

لتسجيل شهادتك راسلنا على witnessegypt@gmail.com

Submit comment

Allowed HTML tags: <a href="http://google.com">google</a> <strong>bold</strong> <em>emphasized</em> <code>code</code> <blockquote>
quote
</blockquote>